الشنقيطي

469

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لا تأمن الموت في حل وفي حرم * إن المنايا توافي كل إنسان واسلك سبيلك فيها غير محتشم * حتى تلاقي ما يمني لك الماني وقد قدمنا الكلام على النطفة مستوفى من جهات في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [ النحل : 4 ] الآية . وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [ الحج : 5 ] ، وفي كل من الموضعين زيادة ليست في الآخر . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الاستدلال بخلق النوعين ، أعني الذكر والأنثى من النطفة جاء موضحا في غير هذا الموضع ، وأنه يستدل به على أمرين : هما قدرة اللّه على البعث ، وأنه ما خلق الإنسان إلا ليكلفه ويجازيه ، وقد جمع الأمرين قوله تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) [ القيامة : 36 - 40 ] فذكر دلالة ذلك على البعث في قوله : أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) ، وذكر أنه ما خلقه ليهمله من التكليف والجزاء ، منكرا على من ظن ذلك بقوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أي مهملا من التكليف والجزاء . وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) [ الفرقان : 54 ] . قوله تعالى : وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى ( 47 ) [ 47 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له ، وأحلنا عليها مرارا كثيرة . قوله تعالى : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) وَثَمُودَ فَما أَبْقى ( 51 ) [ 50 - 51 ] . وقد قدمنا الآيات الموضحة لما أهلك به عادا ، والآيات الموضحة لما أهلك به ثمود في سورة فصلت في قوله تعالى في الكلام في شأن عاد : فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً [ فصلت : 16 ] الآية . وقوله في شأن ثمود : فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ [ فصلت : 17 ] الآية : قوله تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ( 52 ) [ 52 ] . قوله : وَقَوْمَ نُوحٍ معطوف على قوله : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) أي وأهلك قوم نوح ولم يبين هنا كيفية إهلاكهم ، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتابه كقوله تعالى : وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ [ الفرقان : 37 ] الآية . وقوله تعالى : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) [ العنكبوت : 14 ] .